Category Archives: الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة

Home   الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة

الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة – نهضة اليابان



الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة

 نهضة اليابان 


استطاع اليابان أن يتحول في أقلّ من نصف قرن إلى دولة عصريّة استعماريّة بعد أن كان دولة متخلّفة اقطاعيّة وذلك نتيجة لتفتّحه على الغرب وتمسّكه بأصالته الحضارية.

I- تفتح اليابان :
ظلّ اليابان منغلقا على نفسه متخلّفا يخضع للتقاليد الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة العتيقة. ولكنّه عرف في النصف الثاني من القرن XIX نهضة شملت مختلف ميادين الحياة جعلت منه دولة قويّة متقدّمة أصبحت فيما بعد تضاهي الدول الأوروبيّة المصنعة.

1)- اليابان في منتصف القرن  XIX :
حافظ اليابان بعد قطع جميع العلاقات مع الخارج منذ القرن XVII على تنظيم اجتماعي واقتصادي وسياسي طريف من ذلك :

أ- الوضع الاجتماعي والاقتصادي :
كان المجتمع الياباني يتألّف من عدّة طبقات اجتماعيّة :
– الطبقة الممتازة :
وتتألف من النبلاء العسكريين الذين ينقسمون إلى فئتين :
* الفئة الأولى : “الدايميو” (Daimios) وعددهم 287 يمثّلون رؤساء العشائر “كليم” (Clem) ويملكون الأراضي ويعتبرون أسيادا في اقطاعاتهم.
* الفئة الثانية : “الساموراي” (Samourais) وعددهم 500.000 وهم جنود الدايميو الذين أثقلت كواهلهم الديون فجنحوا إلى النهب والسلب.

– الطبقة الشعبيّة :
تمثل الطبقة الشعبية 85% من مجموع السكان وأغلبهم من الفلاحين الاقنان ومن التجار وأصحاب الحرف.
واستطاع بعض الفلاحين الأثرياء السيطرة على القرى كما تمكن كبار التجار وأصحاب الصناعات المنضوين في نقابات الحرف من السيطرة على حياة البلاد الاقتصاديّة فزعزعوا النظام الإقطاعي.

 ب- الوضع السياسي :
تطوّر النظام السياسي في اليابان فانتقلت السلطة من الإمبراطور (ميكادو – (Mikado) إلى “الشوغون” زعيم طبقة الدايميو فأصبح يسيّر شؤون الدولة عن طريق الوراثة، واستمر هذا النوع من الحكم مدّة قرنين ونصف، فأصبحت بذلك سلطة الإمبراطور روحية بحتة.

ج- الحياة الدينية :
كانت “الشانتوية” (Shintoisme) هي الديانة الشائعة في اليابان المعتمدة على تمجيد الأجداد والإمبراطور فغرست في نفوس اليابانيين حبّ الانضباط وروح التضحية واحتقار الموت من أجل الوطن والإمبراطور.

2)- تفتح اليابان (1853/1858) :
كان اليابان منغلقا على نفسه منذ القرن XVII يعيش في عزلة تامة عن العالم الخارجي، وفي سنة 1842 عندما فتحت الصين أبوابها للأجانب، بدأت الدول الأوروبيّة تتطلع للسيطرة على اليابان وجعله مرسى لأسطاليها ففرضت عليه عدّة معاهدات أهمّها :

أ- معاهدة  1854 :
بادرت الولايات المتّحدة الأمريكيّة بالضغط على اليابان حتى يفتح موانيه للأجانب، فهدّد الأميرال “بيري” (Perry) مدينة يادو (Yedo) مرتين (1853 و1854) فاضطرّ اليابان عندئذ إلى عقد معاهدة سنة 1854 التي تمّ بمقتضاها فتح ميناءين للولايات المتحدة الأمريكية.

ب- معاهدة  1858 :
تمكّنت بعض الدول الأوروبيّة (روسيا، بريطانيا، فرنسا، هولندا) من التوقيع على معاهدات أخرى مع اليابان ترمي كلها إلى تحقيق نفس الغرض. وفي سنة 1858 فرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبيّة على اليابان معاهدة جديدة نصت على ما يلي :
– فتح خمسة موان للأجانب
– انتصاب قناصل الدول الأجنبية في اليابان 
– السماح للأجانب بتعاطي التجارة في اليابان وتوريد البضائع إليه.

3)- نتائج التفتح :
كان لتفتح اليابان على العالم الخارجي نتائج بعيدة المدى على الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة.

أ- النتائج الاجتماعيّة والاقتصاديّة :
أحدثت تلك الاتفاقيات صدى عميقا وتأثيرا على الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فقد ساءت حالة التجار وأصحاب الصناعات والفلاحين نتيجة للمنافسة الأوروبيّة فارتفعت الأسعار وتدهورت الأوضاع الاقتصاديّة فانتشر البؤس وعمّ الاستياء لدى مختلف الأوساط اليابانية.

ب- النتائج السياسيّة :
اشتدّت المعارضة وعاب النبلاء (دايميو وساموراي) على الشوغون رضوخه واستسلامه إلى الأجانب، فظهرت حركة معارضة قويّة وتعدّدت الاعتداءات ضدّ الأجانب وتدهور نفوذ الشوغون من الناحية السياسية.
خشي نبلاء الجنوب “دايميو” من عودة قوة الشوغون إثر اعتلاء عرش الإمبراطورية شاب لم يتجاوز الرابعة عشر من العمر هو “ميتسوهيتو” (Mutso-Hito) وذلك سنة 1867. لذا قام النبلاء بدفع الامبراطور الشاب إلى إلغاء نظام الشوغون سنة 1868 فاندلعت حرب بين أنصار كل منهما انتهت بانتصار الامبراطور فقام بإصلاح الأوضاع في البلاد ونقل عاصمته من مدينة كيوتو (Kioto) إلى مدينة (Yedo) طوكيو (Tokio) الحالية،  فدخل اليابان عهد الميجي (Meiji) أي عهد النور الذي سيجعل منه دولة عصرية قوية. 

II- عصر النور وتطور اليابان :
قام اليابان إثر عودة النظام الامبراطوري بثورة على مختلف الأوضاع التي كان يتخبط فيها منذ قرون، أدت إلى تحول اجتماعي وسياسي واقتصادي جعل من هذا البلد المتخلف بلدا متقدما عصريا أصبح مثالا يحتذى به حتى اليوم.

1)- التحوّل الاجتماعي :
تحوّل المجتمع اليابان من مجتمع إقطاعي مختلف إلى مجتمع عصري يتساوى فيه الناس جميعا أمام القانون.

أ- إلغاء النظام الإقطاعي :
 بادر بعض “الدايميو” بالتخلي عن حقوقهم الإقطاعية التي كانوا يتمتعون بها، وسار على منوالهم بقية النبلاء وقرر الامبراطور سنة 1871 القضاء على نظام الطبقات الاجتماعية فأصبح كل اليابانيين متساوين أمام القانون وأصبح الفلاح يتمتع بحق ملكية الأرض.

ب- التنظيمات :
قام الإمبراطور بإدخال عدة تنظيمات على مختلف أجهزة الدولة، من ذلك :
– تقسيم البلاد إلى 47 ولاية على رأس كل منها موظف يعينه الإمبراطور
– جعل الخدمة العسكرية إجبارية وتكليف الفنيين الفرنسيين والألمان بتكوين إطارات الجيش
– تشجيع التعليم الابتدائي الذي شمل سنة 1885 ما يقارب من 60% من مجموع الأطفال البالغين سن الدارسة.
وهكذا قام الإمبراطور بمساعدة فئة قليلة من النبلاء بإدخال عدة إصلاحات رغم المعارضة الشديدة التي لقيها الساموراي.

3)- الإصلاحات السياسية :
عرف اليابان تطورا كبيرا في الميدان السياسي، فقد وعد الامبراطور سنة 1881 بمنح البلاد دستورا وفعلا سافر الأمير “ايتو” (Ito) إلى أوروبا فأعجب بالنظام السياسي الألماني وعاد مشجعا الامبراطور على منح البلاد دستورا فتم ذلك سنة 1889.

أ- السلطة التنفيذية :
أصبح الإمبراطور يحكم البلاد بمساعدة مجلس الوزراء المسؤول أمامه مباشرة ومساعدة مجلس استشاري.

ب- السلطة التشريعية :
أصبحت السلطة التشريعية بيد مجلسين :
– مجلس النواب المنتخب من طرف السكان الذين يدفعون الضرائب 
– مجلس الأعيان (Chambre des pairs) ويضم الأمراء والنبلاء وبعض الأعضاء الذين يعينهم الإمبراطور. 
وقد احتفظ الإمبراطور رغم ذلك بسلطة واسعة إذ كان له مجلس خاص “الجنرو” (Genro) لم يقرّه الدستور ولكن كان له الدور الأساسي في تسيير شؤون الدولة.
وهكذا احتفظ اليابان بنظامه الاستبدادي رغم هذه الإصلاحات المتأثرة بالطابع الأوروبي.

3)- التطورات الاقتصادية :
حاولت الدولة اليابانية تطوير الحياة الاقتصادية أملا في تحقيق استقلالها السياسي والاقتصادي فسنت لذلك عدة قوانين، وشجعت الخواص على بعث المشاريع الاقتصادية، وقامت بمد الخطوط الحديدية وأنشأت المصانع العصرية فترتب عن ذلك تطور اقتصادي عظيم.

أ- التصنيع :
واجهت سياسة التصنيع عراقيل تمثلت في :
– حرمان اليابان من توظيف رسوم قمرقية عالية على المصنوعات المستوردة حسبما نصت عليه اتفاقية 1854، وهذا ما منع اليابان من حماية صناعته.
– قلّة رؤوس الأموال وخوف اليابان من الاعتماد على سياسة القروض التي قد تؤدي به إلى فقدان استقلاله. 
– ضعف وسائل النقل وقلتها.
ولكن هل حالت هذه العراقيل دون تصنيع اليابان؟ لقد انطلق اليابان في سياسة التصنيع رغم كل هذه الصعوبات وساعده على ذلك 
– تصميم اليابانيين على الخروج من التخلف والتحرر من السيطرة الأجنبية. 
– كثرة اليد العاملة المتكونة من الفلاحين والحرفيين المفلسين والفتيات وزهادة الأجور. 
– استغلال اليد العاملة استغلالا فاحشا إذ كان العمال يشتغلون سبع عشرة ساعة في اليوم، وفي ظروف  قاسية أدت إلى كثرة الوفيات.
– تجمع المؤسسات بشكل لا مثيل له في العالم من ذلك مواثقتا (Trusts) متسوي (Mitsui) و”ميتسوبيشي” (Mitsubishi) وهما من نوع المواثقات الأفقية والعمودية معا، فلقد شجعتهما الدولة فسيطرتا بفروعهما المتعددة على مختلف أنواع النشاط الاقتصادي (المناجم، المصانع، المغازات..).

وقد شملت سياسة التصنيع ثلاثة قطاعات رئيسية هي :
– صناعة الأسلحة لضمان استقلال البلاد. 
– صناعة السفن للتخلص من الأساطيل الأجنبية التي احتكرت التجارة الخارجية. 
– الصناعات التصديرية لتوفير الأموال اللازمة لاستيراد المواد الخام.

ولقد تمت هذه السياسة على مرحلتين أساسيتين هما :
*  المرحلة الأولى : اهتمت ا لدولة في هذه المرحلة بتوفير طرق المواصلات وإنشاء المصانع المثالثة. فأنجزت أول خط حديدي سنة 1872 وبعثت أول مصنع مثالي للسفن سنة 1868  ثم تلته مصانع أخرى في “طوكيو” و”أوزاكا” سنة 1870 ومصنع للفولاذ سنة 1873.
* المرحلة الثانية : اتبعت الدولة منذ سنة  1880 سياسة تشجيع المؤسسات الاقتصادية وتمويلها، فتخلت عن مصانعها الخاصة “بنغازاكي” لفائدة مؤسسة ميتسوبيشي ومولت بعض مشاريعها ومشاريع مؤسسة متسوي.

ب- نتائج التطور الاقتصادي :
لقد بذل اليابان مجهودات عظيمة في ميدان التطور الاقتصادي إلا أن النتائج كانت متواضعة بصفة عامة، من ذلك :
– أنه بقي يستورد قسما كبيرا من المواد الغذائية رغم زيادة الإنتاج الزراعي 
– وظل إنتاج الفحم الحجري غير كاف لا يتجاوز 22 مليون طن في السنة 
– واستمر يعتمد على استيراد المواد الخام باستثناء النحاس، فكان يستورد 76% من حاجياته من الحديد 
– وظل إنتاج الفولاذ ضئيلا لا يفي إلا بثلث حاجيات اليابان الصناعية لذلك واجهت مصانع ياواتا (Yawata) عجزا كبيرا رغم مساعدات الدولة المستمرة حتى سنة 1911 
– ازدهرت صناعة النسيج (القطن والحرير) 
– واجهت التجارة الخارجية صعوبات كبيرة في ميدان التصدير وذلك لقلة جودة البضائع ولم تجد رواجها إلا في الصين لانخفاض أسعارها.

وبدأ اليابان رغم كل ذلك بلدا صناعيا يعتمد في سياسته الاقتصادية على استيراد المواد الخام وتصدير المنتوجات الصناعية.

III – الامبريالية اليابانية :
اندفع اليابان منذ سنة 1893 نحو التوسع الاستعماري، وذلك لحماية استقلاله بالسيطرة على القواعد العسكرية التي تضمن له الدفاع عن نفسه، وحل مشكلة نموه الديمغرافي السريع إذ تطور عدد سكانه من 27 مليون نسمة سنة 1853 إلى 53 مليون نسمة سنة 1914، وكذلك ضمان تطور صناعته بإيجاد المواد الأولية الخام والأسواق التجارية لترويج  منتوجاته، فخاض من أجل ذلك كله حروبا هي :
1)- الحرب الصينية اليابانية (1894-1895) :
اندفع اليابان لخوض هذه الحرب وذلك للسيطرة على كوريا (Corée) الغنية بمواردها المعدنية (الحديد) والزراعية (الأرز).
اندلعت الحرب سنة 1894 فانتصرت القوات اليابانية على الجيش الصيني وعقد صلح “سيمونوزاكي” (Simonoseki) سنة 1895 تحصل بمقتضاه اليابان على “فرموزا” وشبه جزيرة “لياوتونغ” (Liao Toung) وميناء بورث أرثر (Port Arhur) واعترفت الصين باستقلال كوريا و فتحت هذه الأخيرة موانيها للتجارة اليابانية. وقد أزعج هذا الانتصار روسيا فتدخلت مع ألمانيا وفرنسا وأرغمت اليابان على مراجعة ذلك الصلح فتخلت عن شبه جزيرة “لياوتونغ” وميناء “بورث أرثر”.

2)- الحرب الروسية اليابانية (1904-1905) :
اندفع اليابان في حرب مع روسيا تحت تأثير المواثقات الاقتصادية ورغبة منه في محو الإهانة التي لحقته إثر مراجعة صلح “سيمونوزاكي” فاستعد عسكريا وديبلوماسيا وتحالفت مع إنقلترا سنة 1902 التي كانت ترغب في وضع حد للتوسع الروسي في الشرق الأقصى.
اندلعت الحرب يوم 7 فيفري 1904 دون سابق إنذار فاحتل الجيش الياباني “بورث أرثر” وأطرد الروس من “منشوريا” وحطم آخر أسطول روسي في “تسوشيما” (27 ماي 1905) فظهر التفوق العسكري الياباني برا وبحرا واضطرت روسيا إلى عقد صلح “بورتسموث” (Portsmouth) في 5 سبتمبر 1905 تخلت فيه لليابان عن “بورث أرثر” وعن الخط الحديدي بجنوب منشوريا.
وبدأت النوايا الاستعمارية اليابانية تتوضح وتتأكد بعد هذا الانتصار فقام اليابان :
– باستغلال فرموزا وكوريا ومنشوريا اقتصاديا. 
– وبالتسرب إلى داخل الصين واستغلاله اقتصاديا عن طريق إنشاء البنوك والمؤسسات الصناعية. 
– وباحتلال الممتلكات الألمانية في الصين والمحيط الهادي.

فأثارت هذه السياسة الاستعمارية مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في اليابان أخطر منافس لها في الشرق الأقصى، فقامت بتحجير الهجرة اليابانية إلى الولايات المتحدة وبدأت العلاقات تتوتر بين البلدين، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على المكانة التي أصبح عليها اليابان على الصعيد الدولي. 

الخاتمة :
عرف اليابان منذ سنة 1868 فترة تطور سريع جعلت منه دولة كبرى عصرية، بفضل تفتحه على الغرب واقتباس نظمه من جهة وتمسكه بأصالته الحضارية من جهة أخرى، فحقق اليابان نهضة صناعية كبرى وانتصارات عسكرية رائعة جعلته يحتل مكانة دولية ممتازة.



الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة – احتلال ليبيا



الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة

 احتلال ليبيا 


كانت ليبيا ولاية عثمانية مستقلة عمليا عن الاستانة تخضع مباشرة لحكم الأسرة القرامنلية حتى سنة 1835. وفي أواخر عهد يوسف باشا تدهورت الأوضاع وانتشرت الفتن، وتضاربت مصالح الدول الأوروبية مما دفع بالسلطان العثماني إلى القيام بعملية عسكرية جريئة أعادت الحكم العثماني المباشر في ليبيا، فأصبحت مهمة تسيير شؤون هذه الولاية والدفاع عنها من مشمولات الباب العالمي دون سواه.
وكان لبعد هذه الولاية عن مركز الخلافة وصعوبة المواصلات، علاوة على موقعها الجغرافي الممتاز باعتبارها منطلقا مثاليا لاكتشاف القارة الإفريقية، الأثر البالغ الذي دفع بالدول الأوروبية إلى مناهضة النفوذ العثماني في هذه المنطقة.

1)- أطماع إيطاليا في ليبيا :

بعد أن تمت الوحدة الإيطالية وانضمت البندقية وروما اتجه اهتمام إيطاليا إلى إحياء ماضيها المجيد وربطه بحاضرها ومستقبلها، وهذا ما حتم عليها بعد نموها الديمغرافي القيام بدورها كدولة كبرى على مسرح السياسة الاستعمارية، فأخذت تسعى إلى السيطرة على ليبيا بعد فشلها في احتلال تونس، وكان يساندها في هذا الاتجاه الاستعماري البورجوازيون وأصحاب المؤسسات المالية والاقتصادية وكذلك رجال الدين والعسكريون الذين يأملون في الحصول على الثروة والمجد.

أ- تهيئة الجو الدولي :
 سعت إيطاليا منذ أواخر القرن XIX إلى كسب تأييد الدول الأوروبية حتى تستأثر باحتلال ليبيا فقامت بعقد عدة اتفاقيات ثنائية مهدت لها طريق الاحتلال، من ذلك :
– عقدت إيطاليا سنة 1887 معاهدة مع بريطانيا اعترفت فيها هذه الأخيرة بمصالح إيطاليا في ليبيا مقابل اعتراف إيطاليا باحتلال انقلترا لمصر
– عقدت إيطاليا سنة 1900 اتفاقية مع فرنسا حول تحديد مناطق النفوذ في البحر الأبيض المتوسط، وأقرت هذه الاتفاقية سنة 1902 وأعيد إبرامها في أكتوبر 1912، وبموجبها تخلت فرنسا عن طرابلس لإيطاليا مقابل المغرب الأقصى
– أبرمت إيطاليا مع روسيا اتفاقية أكتوبر 1909 اعترفت فيها بادعاءات روسيا في منطقة المضيقين واعترفت روسيا بدورها لإيطاليا بحرية العمل في طرابلس الغرب.

وهكذا تمكنت إيطاليا عن طريق الاتفاقيات الثنائية من ضمان حرية العمل في ليبيا.

ب- تهيئة الجو في ليبيا :
لم تقتصر إيطاليا على الاستعدادات الديبلوماسية فحسب بل أخذت تسعى إلى تهيئة الجو داخل ليبيا نفسها فقامت بفتح المدارس والبنوك الإيطالية بطرابلس، وابتاع الإيطاليون الأراضي وأقاموا فيها المشاريع الزراعية، واحتكرت شركات الملاحة البحرية الإيطالية المواصلات بين أوروبا وطرابلس وتعددت البعثات التبشيرية مهيئة الجو للاحتلال.
وعجز الولاة العثمانيون عن الوقوف ضد أطماع إيطاليا في وقت لم تول فيه حكومة الباب العالي الرعاية الكافية لهذه الولاية فأصبح الجو ملائما للاحتلال، فقد صرح وزير خارجية ألمانيا بأن لإيطاليا بطرابلس مصالح خاصة ومكانة فريدة وأنها مصممة على صيانة تلك المصالح والدفاع عن ذلك الموقع الممتاز.

2)- الاحتلال الإيطالي لليبيا :
استغلت إيطاليا سنة 1911 الأزمة الدولية الناجمة عن إرسال السفينة الألمانية “الفهد” إلى أغادير والمشاكل التي كانت تعانيها تركيا في البلقان للاستيلاء المباشر على طرابلس الغرب.

أ- الإنذار الإيطالي :
قدمت إيطاليا في 28 سبتمبر 1911 مذكرة إنذار إلى الباب العالي تعلمه فيه بقرارها باحتلال ليبيا وتطلب المذكرة من الموظفين العثمانيين المدنيين منهم والعسكريين عدم معارضة الاحتلال، ومما جاء في المذكرة “أن الحكومة العثمانية تركت تلك البلاد في حالة تأخر فادح وحرمتها من نعم التقدم والحضارة التي حظيت بها سائر أقطار إفريقيا الشمالية وأن الحكومة الإيطالية لفتت أنظار الحكومة العثمانية مرات عديدة، إلى أن تقدم تلك البلاد من الوجهة الحضارية يهم إيطاليا بصفة خاصة نظرا لقصر المسافة التي كانت تفصل إيطاليا عن السواحل الليبية”.
وحاولت تركيا حل المشاكل عن طريق الوساطة الأوروبية إلا أنها لم تجد أي مساندة، فردت على الإنذار الإيطالي بأسلوب مسالم للغاية وأبدت في نفس الوقت استعدادها لعدم عرقلة أي نشاط اقتصادي إيطالي بطرابلس وعارضت بصفة قطعية الاحتلال وعبرت عن رغبتها في تسوية المشكلة بطريقة سلمية.

ب- الحرب الإيطالية التركية :
لم يقنع الرد العثماني إيطاليا فبادرت بإعلان الحرب في 29 سبتمبر 1911 واستعدت لها استعدادا عظيما وذلك لقلة خبرتها العسكرية من جهة وعدم معرفتها بالوضع الحقيقي في ولاية طرابلس الغرب.
فأرسلت 40.000 جندي للاستيلاء على ولاية مجردة من السلاح واستعملت لهذا الغزو 350 قطعة بحرية، وتركزت الخطة العسكرية على احتلال المراكز والمدن الساحلية فاحتلت ابتداء من 5 أكتوبر 1911 مدينة طرابلس ودرنة وبنغازي وأعلنت رسميا ضم ليبيا إليها في 5 نوفمبر 1911. كانت إيطاليا تظن أن الاستيلاء على كامل البلاد سيتم بسرعة ولكنها وجدت مقاومة عنيفة من طرف القبائل الليبية خاصة بعد المساعدات العسكرية التي تلقتها من الدولة العثمانية، فقد أرسلت السلطنة العثمانية عدة ضباط لتدريب الليبيين على القتال من بينهم مصطفى كامل وعزيز علي المصري وأنور… وتولى كل واحد منهم قيادة قطاع من القطاعات في مختلف المناطق.
فاضطرت إيطاليا أمام هذه الصعوبات إلى توسيع نطاق المعركة فقصفت الموانئ اليمنية على البحر الأحمر وضربت مراكز الجيش العثماني في بيروت والدردنال واحتل الأسطول الإيطالي عدة جزر تركية في بحر ايجة فبادرت دول الحلف الثلاثي (إنقلترا وروسيا وفرنسا) بالضغط على الباب العالي كي يستجيب إلى مطالب إيطاليا.
أدركت الدولة العثمانية خطورة الموقف العسكري خاصة في منطقة البلقان، لذا عقدت الصلح مع إيطاليا في “لوزان” (18 أكتوبر 1912) فانتهت الحرب وانسحبت الجيوش العثمانية من ليبيا والجيوش الإيطالية من بحر ايجة، وأعلن السلطان استقلال ليبيا وقامت إيطاليا بدورها بإعلان إلحاق ليبيا بها مخالفة بذلك الاتفاقية التمهيدية (15 أكتوبر 1912) التي تنص على إقامة حكم ثنائي إيطالي تركي، ولم تتنازل الدولة العثمانية عن حقها في ليبيا إلا بعد إبرام صلح لوزان (1923) إثر الحرب العالمية الأولى.

3)- المقاومة الليبية :
اندهش العرب في ليبيا من موقف الأتراك واعتقدوا أنهم قد سلموهم إلى أعدائهم، فازداد صمودهم وتصميمهم على الدفاع عن وطنهم دون هوادة بالرغم من الأساليب الوحشية التي اتبعها الغزاة.

أ- الحركة السنوسية :
تعتبر الطريقة السنوسية من الحركات الصلاحية المنبثقة من الحركة الوهابية، فقد قام محمد السنوسي الجزائري الأصل بتأسيس عدة زوايا في برقة أهمها جغبوب (سنة 1855) التي أصبحت فيما بعد مركز الحركة السنوسية، وإثر وفاته قام ابنه محمد المهدي (1859-1901) بنقل مقره إلى واحات الكفرة سنة 1895.
لم تقتصر هذه الدعوة على العبادة والتصوف فحسب بل دعت المسلمين إلى الكد والعمل، فكانت كل زاوية مركزا للحياة الروحية والسياسية والاقتصادية، وكان أفرادها مسلحين ومنظمين تنظيما عسكريا محكما وهذا ما سهل عليهم الصمود ومقاومة الاحتلال الإيطالي.

ب- المقاومة :
أعلن السنوسيون الجهاد المقدس ضد الاستعمار فاضطر الإيطاليون إلى التراجع عن منطقة برقة واكتفوا باحتلال المراكز الساحلية، وفي سنة 1914 كانوا على وشك احتلال فزان بعدما اقتحموا عاصمتها مرزوق، ولكنهم انسحبوا عن جميع المناطق المحتلة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى واحتفظوا بمدينتي طرابلس والمغرب والخمس.
فقد صمد الشعب الليبي ووجد من شقيقه الشعب التونسي خير سند له فخاضا معا معارك مشتركة ضد الجيوش الفرنسية التي هبت لمساندة الجيوش الإيطالية.
واستغل الألمان والأتراك الحركة السنوسية فساندوها واستغلوها للهجوم على مصر ولكن إنقلترا نجحت في صدهم في فيفري 1916 واتفقت مع إيطاليا على مقاومة الحركة السنوسية.
ولما انتهت الحرب العالمية الأولى قامت إيطاليا في نوفمبر 1918 بإنزال جيش عظيم بطرابلس يتألف من 80.000 مقاتل وحاولت التفاوض مع زعماء القبائل ولكنها فشلت فاستأنفت العمليات الحربية متبعة أبشع الوسائل إلى أن تمكنت من إخضاع البلاد واستعمارها وذلك سنة 1932.

الخاتمة :
تعرضت ليبيا إلى أطماع إيطاليا التي استطاعت رغم محاولات السلطنة العثمانية اليائسة احتلال طرابلس سنة 1911.



Get Best Services from Our Business.